مخاوف متصاعدة في مصر من انتشار أدوية مغشوشة
ملخص :
في ظل مخاوف متزايدة من انتشار الأدوية المغشوشة، كثفت هيئة الدواء المصرية إجراءاتها الرقابية خلال الأيام الماضية، وذلك لمواجهة تداول العقاقير المقلدة عبر منصات غير رسمية تستغل حاجة المواطنين إلى شراء أدوية بأسعار زهيدة بعيداً عن الصيدليات، ويأتي هذا التحرك تزامناً مع مطالب بعض منتجي الأدوية بزيادة الأسعار لمواكبة ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وكشفت هيئة الدواء في بيان رسمي عن رصد مستحضرين دوائيين، أحدهما مغشوش والآخر غير مطابق للمواصفات، وشددت الهيئة على ضرورة وقف تداولهما وسحبهما الفوري من الأسواق، وبينت الهيئة أنها قررت وقف تداول وضبط وتحريز العبوات المخالفة، مع التأكيد على أهمية الرجوع إليها في حال وجود أي شكوك أو استفسارات.
وقبل أيام، تمكنت فرق التفتيش الصيدلي التابعة للهيئة المصرية في سبع محافظات من ضبط مصنع ومخازن غير مرخصة تستخدم في ترويج مستحضرات دوائية وتجميلية مجهولة المصدر، واضافت الهيئة انها ضبطت أيضا صيدلية غير مرخصة تعمل داخل أحد المستشفيات الخاصة.
حملات مكثفة لمواجهة تزييف الدواء
وفي محافظة الغربية، الواقعة في قلب دلتا النيل، تمكنت الهيئة من ضبط ما يقرب من 60 ألف عبوة من أصناف مختلفة الأحجام والأشكال، وتنوعت المضبوطات ما بين أقراص وأشربة وكريمات، مدون عليها خصائص علاجية دون وجود فواتير تثبت مصدرها، وبينت الهيئة انه تم ضبط نحو خمسة آلاف كيلوغرام من المواد الخام، مثل شكائر البودرة وعبوات الكحول، والتي تستخدم في عمليات التصنيع دون فواتير ومجهولة المصدر.
وتهدد العقاقير المغشوشة سوق الدواء المصرية، حسبما أكد متخصصون، موضحين أنها تشكل خطراً داهماً على حياة المرضى، وقد يتزايد الاتجار بهذه العقاقير في أوقات الأزمات التي يشعر فيها المصنعون بصعوبات في الحصول على أدوية معينة، وذلك بالتزامن مع أزمات سلاسل الإمداد الدولية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
واشار المتخصصون أيضا إلى مطالب بعض المنتجين برفع الأسعار لحماية المرضى من نقص أنواع معينة من الأدوية أو تداولها في إطار غير شرعي، واضافوا ان هذا الوضع يخلق سوقاً سوداء ويسهم في زيادة مبيعات الدواء عبر الإنترنت.
قطاع الدواء في مصر يواجه تحديات
وتضم مصر بنية تحتية قوية في قطاع الأدوية، حيث يوجد ما يقرب من 180 مصنعاً مرخصاً للأدوية حتى أواخر عام 2025، بالاضافة الى اكثر من 150 مصنعاً للمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل، وبلغ عدد المخازن والموزعين للأدوية نحو 1600، بينما يتجاوز عدد الصيدليات المرخصة 71 ألف صيدلية، وفقاً لبيانات رسمية.
ولا توجد إحصاءات رسمية دقيقة لحجم الأدوية المغشوشة المتداولة في السوق المصرية، غير أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن حجمها في أفريقيا يصل إلى 30 في المائة من حجم الدواء، وبينت المنظمة ان حجم الأدوية المغشوشة حول العالم يتراوح ما بين 10 إلى 30 في المائة، وتؤدي إلى وفاة ما يقرب من 2000 شخص يومياً.
ويقول رئيس شعبة الأدوية في الغرفة التجارية بالقاهرة، علي عوف، إن نسب الغش الدوائي تختلف حول العالم حسب قوة رقابة الهيئات الحكومية، واضاف ان مصر تتعرض لهذا النوع من الغش الذي يحقق أرباحاً طائلة وسريعة، ويستهدف تحديداً الأدوية باهظة الثمن والأكثر مبيعاً.
اجراءات للكشف عن التلاعب
واوضح عوف أن انتشار ماكينات تساعد على ضغط وكبس منتجات الأدوية وتعبئتها في علب طبق الأصل يعد سبباً في سهولة الغش، واشار الى ان هذه الماكينات تكون داخل مصانع غير مرخصة وقد تكون داخل بنايات سكنية، كما يتم تخزين تلك الأدوية في مخازن غير مرخصة بعيداً عن أعين الجهات الرقابية.
ويتم اكتشاف الأدوية المغشوشة إما من خلال معامل التحليل التابعة لهيئة الدواء المصرية، والتي تقوم بالتفتيش على المخازن والصيدليات وتتلقى بشكل مستمر معلومات عن وجود مخازن أو صيدليات غير مرخصة، وإما من خلال شركات الأدوية الأصلية التي تكتشف وجود غش في المستحضرات الخاصة بها.
والاثنين الماضي، أكدت هيئة الدواء المصرية أن مكافحة الأدوية المغشوشة تأتي على رأس أولوياتها، واوضحت انها تعتمد على منظومة رقابية متكاملة تبدأ من تسجيل الدواء، مروراً بمراحل التصنيع والتوزيع، وحتى وصوله إلى المريض، بما يضمن إحكام السيطرة على سوق الدواء ومنع تسرب أي مستحضرات غير مطابقة.
تتبع الأدوية لكشف التزييف
وقالت الهيئة إنها تطبق منظومة التتبع الدوائي، والتي تقوم على تخصيص كود لكل عبوة دواء، يتيح تتبعها في جميع مراحل التداول، واضافت ان هذا يسهم في التأكد من مصدر الدواء ومنع تداول العبوات المجهولة أو غير المسجلة، وسرعة سحب العبوات المغشوشة حال اكتشافها.
ويؤكد مستشار غرفة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية، محمد البهي، أن عمليات الغش في الأدوية تنشط في أوقات الأزمات التي يلوح فيها شح في سلاسل الإمداد أو نقص عقاقير معينة.
واضاف البهي أن بعض الغشاشين يستغلون الأدوية منتهية الصلاحية ويدونون عليها تواريخ جديدة مقلدة، وبين ان هذا التقليد آخذ في الانتشار، مع إتاحة الصين توريد ماكينات للأفراد دون توفر ضوابط الشراء للشركات التي تعتمدها دول الاتحاد الأوروبي.
وفي رأيه، تتمثل المشكلة الأكبر في وجود مخازن دواء غير مرخصة تعمل في توزيع الأدوية المغشوشة، واكد ان هذا يتطلب الحيطة والحذر من جانب الصيدليات والحرص على عدم التعامل مع أي مخازن مجهولة الهوية، وشدد على ضرورة تغليظ عقوبات الغش الدوائي؛ لأنه قد تترتب عليه حالات وفاة.
ويرى البهي أن زيادة أسعار الدواء المصري قد تكون في مصلحة المريض نتيجة للفوارق الكبيرة في الأسعار بين المنتجات المحلية والمستوردة، مضيفاً: سيكون من المهم توفير الدواء، خاصة مع وجود مؤشرات تدل على فوارق في تكاليف المواد الخام والإنتاج.
وفي الآونة الأخيرة، قال المركز المصري للحق في الدواء إن شركات الأدوية تواصل ضغوطها على الحكومة، ممثلة في هيئة الدواء، لزيادة الأسعار مع تأثر سلاسل الإمداد؛ بسبب تأخر حركة السفن نتيجة لبعض الأحداث وارتفاع تكاليف التأمين.

