تحولات جذرية في سوق النفط: هكذا أعادت الحرب تشكيل الأسعار
ملخص :
أحدثت الحرب تحولات عميقة في سوق النفط العالمي، لم تقتصر على الأسعار بل طالت آليات التسعير ذاتها. فالسوق التي كانت تعتمد على مؤشرات مرجعية مثل برنت، باتت تخضع لمعادلة معقدة تحددها سهولة الوصول إلى النفط، وسرعة إيصاله، وتكلفة نقله وتأمينه.
هذا التحول يشير إلى أن أسعار النفط لم تعد مجرد انعكاس للأرقام في الأسواق أو العقود، بل تعتمد بشكل أكبر على القدرة الفعلية على توصيل النفط بسرعة إلى المشترين. أي أن التحدي لم يعد محصوراً في حجم المخزونات النفطية، بل في القدرة على نقلها وإيصالها في الوقت المناسب.
وأظهرت التغيرات أن سعر النفط يتأثر بشكل كبير بالقدرة على توصيله للمشترين في الوقت المناسب، أكثر من مجرد كمية النفط المتوفرة.
تراجع دور نفط الخليج في السوق العالمية
أهم التغيرات التي أحدثتها الحرب هو تراجع موقع منطقة الخليج في السوق النفطية العالمية. هذا التراجع لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج، فوفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية لشهر مارس 2026، انخفضت الإمدادات الفعلية من الخليج بنحو 8 إلى 10 ملايين برميل يومياً، نتيجة لتعطّل عمليات التصدير أكثر من توقف الإنتاج.
وظهر الأثر الأكبر في "وزن" هذه البراميل في التسعير، فلم تعد خامات الخليج المصدر الأكثر موثوقية لتحقيق التوازن العالمي، حتى مع بقائها متوفرة من الناحية النظرية. وفي هذا السياق، قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول في مقابلة مع رويترز إن خسارة الإمدادات العالمية تجاوزت 12 مليون برميل يومياً، محذراً من أن التعافي "لن يكون سريعاً"، لأن إعادة تشغيل التدفقات يعتمد على الشحن والتأمين بقدر اعتماده على الإنتاج.
وأكد بيرول أن إعادة تشغيل الإمدادات يعتمد على الشحن والتأمين بنفس قدر الاعتماد على الإنتاج.
انتعاش النفط الأمريكي وتفوقه على برنت
في المقابل، أعادت الحرب تعريف مكانة النفط الأمريكي في السوق، فوفقاً لبيانات كبلر، ارتفعت الشحنات الأمريكية إلى أوروبا وآسيا بشكل ملحوظ، إذ زادت الصادرات إلى أوروبا بنسبة تتراوح بين 25% و30%، بينما تضاعفت التدفقات إلى آسيا أكثر من الضعف.
وانعكس هذا التحول بشكل مباشر على الأسعار، ففي جلسات تداول مطلع شهر أبريل، تفوق خام غرب تكساس على خام برنت، وهو أمر نادر الحدوث تاريخياً، حيث أغلق عند حوالي 111 دولاراً مقابل 109 دولارات لبرنت.
وبيّنت بيانات السوق أن المشترين كانوا على استعداد لدفع مبالغ إضافية مقابل الحصول على النفط الأمريكي.
ارتفاع أسعار خامات الخليج رغم صعوبات النقل
في مفارقة لافتة، ارتفعت أسعار خامات الخليج نفسها إلى مستويات قياسية، على الرغم من ازدياد صعوبة نقلها. فبحسب بيانات رويترز، قفز خام دبي إلى حوالي 157 دولاراً للبرميل، وخام عُمان إلى أكثر من 152 دولاراً، مع تسجيل بعض التقديرات مستويات اقتربت من 170 دولاراً.
واضافت بلومبيرغ أن شركة أرامكو السعودية رفعت سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف إلى آسيا بعلاوة قياسية بلغت 19.5 دولاراً للبرميل فوق المؤشرات الإقليمية.
وأوضحت البيانات أن ارتفاع أسعار خامات الخليج يعكس "علاوة المخاطر" المرتبطة بالنقل والتأمين.
أفريقيا والأطلسي.. بدائل نفطية بفضل الموقع الجغرافي
مع تراجع الثقة في إمدادات الخليج، نشطت السوق في البحث عن مصادر بديلة. وتشير تقارير رويترز إلى أن المصافي في آسيا وأوروبا تحولت بسرعة إلى خامات غرب أفريقيا والأطلسي، مما أدى إلى ارتفاع علاواتها بشكل ملحوظ.
وسجلت بعض الخامات الأفريقية، مثل الخام الأنغولي، علاوات تقارب 10 دولارات فوق خام برنت الفوري، بينما ارتفعت خامات أمريكا اللاتينية إلى ما بين 12 و15 دولاراً فوق المؤشرات القياسية.
وبينت التقارير أن دولاً مثل الجزائر ونيجيريا عادت إلى دائرة الضوء بفضل مواقعها الجغرافية.
النفط العائم.. معروض غير قابل للاستخدام
أحد أبرز مظاهر الأزمة هو تراكم النفط في البحر، فوفقاً لبيانات كبلر، تراوح حجم النفط العالق في الخليج بين 136 و172 مليون برميل، موزعة على مئات الناقلات التي لم تتمكن من التفريغ أو المغادرة.
ويقول فيكاس دويفيدي من شركة ماكواري إن هذه الكميات "ليست جزءاً من المعروض الفعلي"، لأنها غير قابلة للوصول في الوقت المناسب، مشيراً إلى أن تفريغها قد يستغرق أسابيع بسبب قيود التأمين والعقوبات.
وكشفت البيانات أن السوق قد تعاني من نقص في الإمدادات رغم وجود النفط فعلياً.
البرميل الفوري.. السلعة الأكثر قيمة في السوق
ظهر التحول الأوضح في السوق الفورية، فبحسب بلومبيرغ، لم تعد أسعار العقود الآجلة تعكس التكلفة الحقيقية للنفط، مع اتساع الفجوة بينها وبين الأسعار الفعلية.
وأشارت بيانات رويترز إلى أن خامات فورية مثل فورتيز وخام برنت الفوري وصلت إلى ما بين 144 و146 دولاراً، مع صفقات تجاوزت 150 دولاراً، بينما بقيت العقود الآجلة أقل بكثير، كما ظل الفارق بين السعر الفوري والعقود المستقبلية عند نحو 25 و30 دولاراً، وهو مستوى يعكس علاوة "التسليم الآن".
وأكدت شركة "إنرجي أسبكتس" أن هذه الفجوة تعكس "شحاً فعلياً في البراميل القابلة للتسليم".

