الضفة الغربية.. كيف يشكل الاحتلال الهوية البصرية الجديدة؟
ملخص :
تشهد الضفة الغربية تحولا ملحوظا في طبيعة السيطرة، فبعد التوسع الاستيطاني الميداني، يبرز الآن ما يعرف بـ"السيادة البصرية"، من خلال تكثيف نشر الرموز الدينية والسياسية الإسرائيلية، وتغيير أسماء المواقع بأسماء توراتية، ويرى خبراء أن هذه الممارسات تهدف إلى فرض واقع استيطاني دائم، وتكريس الوجود الإسرائيلي في المنطقة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، لوحظ انتشار واسع للأعلام الإسرائيلية على الطرق الرئيسية، ونصب مجسمات دينية مثل الشمعدانات ونجمة داود في الساحات العامة وعلى قمم التلال، ويعكس هذا التحول استراتيجية جديدة للسيطرة تتجاوز الميدان إلى الفضاء البصري، وتعتمد إسرائيل على تسمية الضفة الغربية بـ"يهودا والسامرة"، في محاولة لتعزيز روايتها التاريخية.
ويأتي هذا في ظل تصاعد ملحوظ في اعتداءات المستوطنين، حيث سجلت مئات الاعتداءات منذ أشهر، مستغلين حالة عدم الاستقرار لتكثيف هجماتهم، وأسفرت هذه الاعتداءات عن سقوط العديد من الضحايا والإصابات بين الفلسطينيين، وفقا لإحصائيات رسمية.
الاعتداءات المتزايدة واستراتيجية السيطرة الناعمة
وفي سياق متصل، أوضح مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حسن بريجية أن هذه التحركات تندرج ضمن ما يسمى استراتيجية "القوة الناعمة"، وبين أن الأمر تطور من مجرد نشر رموز إلى محاولة السيطرة على المباني العامة، واضاف مثالا على ذلك ما حدث في بلدة حوارة جنوب نابلس، حيث قام مستوطنون بإزالة العلم الفلسطيني ورفع العلم الإسرائيلي فوق مدرسة ثانوية، وأكد بريجية أن هذه الإجراءات تتم تحت حماية الجيش والشرطة الإسرائيلية.
واشار إلى أن الهدف النهائي هو إعادة إنتاج حالة السيطرة الكاملة على المنطقة، وفرض واقع جديد يخدم المشروع الاستيطاني، وشدد على خطورة هذه الممارسات التي تهدف إلى تغيير هوية الضفة الغربية وطمس معالمها الفلسطينية.
الرسائل السياسية للاستيطان البصري
من جانبه، حدد الخبير في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي ثلاث رسائل سياسية رئيسية لهذا الانتشار البصري، وبين أن الرسالة الأولى موجهة للفلسطينيين، وتهدف إلى ترسيخ فكرة أن الضفة الغربية هي جزء لا يتجزأ من المشروع الإسرائيلي، واضاف أن الرسالة الثانية موجهة للمستوطنين، وتهدف إلى تقديم الضفة الغربية كـ"بيئة إسرائيلية ثقافيا وحضاريا"، في حين أن الرسالة الثالثة موجهة للمجتمع الدولي، وتهدف إلى تطبيع واقع الاستيطان وإظهاره كأمر واقع لا يمكن تغييره.
وتابع الريماوي قائلا: "الهدف النهائي يتمثل في إعادة إنتاج حالة السيطرة الكاملة، وصولا إلى إقامة ما يمكن تسميته دولة المستوطنين في الضفة الغربية"، واكد أن هذه الممارسات تشكل خطرا حقيقيا على مستقبل القضية الفلسطينية، وتستدعي تحركا عاجلا على كافة المستويات.
البعد الديني وإعادة كتابة التاريخ
كما لفت الريماوي إلى أن استخدام الرموز الدينية يهدف إلى إضفاء شرعية على الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية، وذلك من خلال "ربط المواقع الفلسطينية بروايات دينية إسرائيلية"، واوضح أن هذا يشمل إطلاق تسميات توراتية على المدن الفلسطينية، مثل "شكيم" لنابلس، و"حبرون" للخليل، و"شَمرون" لشمال الضفة.
واضاف أن استهداف المقامات الدينية، مثل "قبر يوسف" في نابلس، يندرج ضمن هذه الاستراتيجية، وبين أن اليهود يدعون قدسية هذا الموقع، على الرغم من تأكيد علماء الآثار أنه ضريح لشيخ مسلم يُدعى يوسف دويكات، وتهدف هذه المحاولات، وفق المراقبين، إلى إعادة تشكيل الوعي التاريخي والجغرافي بما يخدم المشروع الاستيطاني.

