انتعاش صناعي صامت في امريكا يقوده الذكاء الاصطناعي
ملخص :
في تحول لافت بعيدا عن الضجيج السياسي بشأن الرسوم الجمركية، تظهر معطيات جديدة في الولايات المتحدة قصة نمو صناعي هادئ، إذ يشهد أداء المصانع الأمريكية ارتفاعا ملحوظا في الإنتاج والشحنات، وذلك على الرغم من استمرار انخفاض عدد الوظائف.
واضاف تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال ان هذه التطورات لا تصب في مصلحة أي من الطرفين المتنازعين سياسيا، لانها تكشف عن تحسن في الصناعة، لكنه لا يعزى إلى الأسباب التي يتم الترويج لها في الخطابات السياسية التقليدية.
وبين التقرير ان منتقدي الرسوم الجمركية ركزوا بشكل أساسي على الخسائر في الوظائف، بينما نسب مؤيدو الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب أي تحسن في القطاع الصناعي إلى السياسات الحمائية.
صعود الإنتاج وتراجع الوظائف
واكد التقرير ان المحرك الحقيقي لهذا النمو هو الطلب المتزايد من الأسواق على منتجات أمريكية معينة، تتمتع فيها الولايات المتحدة بميزة تنافسية واضحة.
ومنذ بداية عام 2025، انخفض عدد الوظائف في القطاع الصناعي الأمريكي بحوالي 100 ألف وظيفة، ما يعادل 0.6% من إجمالي العمالة في هذا القطاع، وفي المقابل، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 2.3%، وزادت الشحنات الصناعية بنسبة 4.2%، مع استبعاد التضخم، وهو ما يعكس تحسنا حقيقيا في النشاط الصناعي، حتى مع تراجع التوظيف.
ووصف التقرير هذا الوضع بأنه انتعاش متخف، لان التركيز السياسي والإعلامي غالبا ما ينصب على الوظائف كمؤشر أسهل للفهم، في حين أن الإنتاج الفعلي غالبا ما يغيب عن النقاش العام، على الرغم من كونه المقياس الأكثر دقة لتقييم صحة القطاع الصناعي.
الذكاء الاصطناعي محرك الطلب
وكشف التقرير ان المصانع الأمريكية تستفيد بشكل مباشر من موجة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب مئات المليارات من الدولارات من أشباه الموصلات ومعدات الشبكات وأنظمة الطاقة وأجهزة التبريد، بالإضافة إلى البنية التحتية لمراكز البيانات.
واوضح التقرير ان جزءا كبيرا من هذه المعدات يتم تصنيعه داخل الولايات المتحدة، بينما يتم استيراد الجزء الآخر لتكامل سلاسل الإنتاج.
وارتفع الإنتاج المحلي لقطاع الحواسيب والإلكترونيات بنسبة 7.7% خلال العام الماضي، في حين قفزت الواردات في القطاع نفسه بنسبة 40.5%، مما يدل على أن الطلب الأمريكي يتوسع بوتيرة تتجاوز قدرة المصانع المحلية على تلبيته بمفردها.
الطيران والتسلح يساهمان في النمو
وسجل قطاع الطيران ومعدات النقل أداء قويا، إذ ارتفع الإنتاج المحلي بنسبة 28% خلال العام الماضي، وأشارت الصحيفة إلى زيادة تسليمات شركة بوينغ بنسبة 72% لتصل إلى 600 طائرة، بعد تحسن الإنتاج عقب سنوات من القيود المرتبطة بالسلامة والتنظيم.
وفي الوقت نفسه، ساهم تصاعد سباقات التسلح عالميا في زيادة الطلب على الطائرات المقاتلة والصواريخ والمروحيات، مما دعم المصانع الأمريكية العاملة في هذا القطاع.
وترى الصحيفة أن هذا النمو جاء نتيجة لقوة الطلب العالمي وتمتع أمريكا بقدرات إنتاجية قائمة، وليس بسبب الرسوم الجمركية، خاصة وأن العديد من هذه القطاعات كانت معفاة من هذه الرسوم.
الرسوم الجمركية لم تنقذ السيارات والأثاث
وفي المقابل، لم تحقق القطاعات التي فرضت عليها حواجز جمركية مرتفعة نفس النتائج، ففي قطاع السيارات وقطع الغيار، تراجعت الواردات بنسبة 14%، لكن الإنتاج المحلي انخفض أيضا بنسبة 3%، مما يشير إلى ضعف الطلب المحلي أو ارتفاع التكاليف.
وفي قطاع الأثاث، انخفضت الواردات بنسبة 22%، بينما تراجع الإنتاج المحلي بنسبة 3%، وهو ما يعني أن تقليص الواردات لم يتحول تلقائيا إلى مكاسب للمصانع الأمريكية.
وتربط الصحيفة ذلك بارتفاع أسعار الفائدة وتراجع إنفاق الأسر على السلع المعمرة والمنازل.
وخلصت وول ستريت جورنال إلى أن السياسة الصناعية الناجحة يجب أن تتحرك مع الجاذبية الاقتصادية لا ضدها، أي دعم القطاعات التي تمتلك فيها أمريكا مزايا تنافسية حقيقية، مثل أشباه الموصلات والطيران والأدوية، بدلا من محاولة إعادة صناعات منخفضة القيمة تعتمد أساسا على العمالة الرخيصة في الخارج.

