مفارقات الاسعار في طهران تحت وطأة الحرب
ملخص :
في مشهد يعكس التحديات الاقتصادية المعقدة التي تواجه ايران، يجد سكان طهران أنفسهم أمام واقع متباين، ففي الوقت الذي ظلت فيه أسعار بعض السلع الأساسية مثل الوقود والخبز والألبان مستقرة نسبيا، تشهد أسعار سلع أخرى ارتفاعات ملحوظة رغم استمرار تداعيات الحرب.
ومنذ بداية الحرب وتصاعد التوترات، حافظت الحكومة الايرانية على دعمها لبعض السلع الأساسية، وذلك في محاولة واضحة لتخفيف الضغوط على المواطنين وتأمين مستوى معيشة مقبول، وفقا لما ذكرته المواطنة مهراوه.
وعلى عكس التوقعات، بينت مهراوه أن التباين في الأسعار يعكس حقيقة الاقتصاد الايراني الذي يواجه تحديين متعاكسين، هما تأثيرات الحرب من جهة، والدعم الحكومي الكبير من جهة أخرى.
جولة في اسواق طهران
في جولة لمراسلنا في أسواق طهران، اتضح وجود تباين كبير في الأسعار، ففي حين لم تتغير أسعار الخبز في بعض المخابز منذ أشهر، يشير الخباز شاطر مهدي إلى أن المخابز لا تزال تتلقى الدقيق المدعوم بالسعر الرسمي القديم.
وفيما يتعلق بمنتجات الألبان، يقول محمود، صاحب محل لبيع الألبان، إن الإقبال على شراء الحليب والزبادي والجبن الأبيض لا يزال مستمرا، غير أن بعض الشركات قد رفعت الأسعار بنسبة تتراوح بين 5% و10% منذ بداية السنة الفارسية، مبررة ذلك بارتفاع الأجور والتضخم السنوي.
ورغم ذلك، فضلت غالبية شركات الألبان عدم رفع الأسعار للحفاظ على حصتها السوقية في ظل تراجع القدرة الشرائية للمستهلك، وأوضح محمود أن الإمدادات من الأعلاف الحيوانية لم تتوقف حتى خلال فترة الحرب.
تداعيات الحرب والحصار
بينما تكشف الجولة عن استقرار نسبي في أسعار بعض السلع مثل المعكرونة والأرز والفواكه، إلا أن سلعا أخرى شهدت ارتفاعات كبيرة، وتأتي الزيوت واللحوم الحمراء والدواجن في مقدمة هذه السلع، يليها المعلبات والبقوليات والبيض والسكر، حيث ارتفعت الأسعار بنسب تتراوح بين 10% وأكثر من 40%.
ورغم الزيادات الرسمية في الأسعار، أكد عدد من المستهلكين قيام بعض المحلات التجارية ببيع سلع مثل الزيوت والسكر والمعلبات بأسعار مرتفعة خاصة مع تصاعد التوترات.
وفي ظل الحصار المفروض على المنافذ البحرية الايرانية، يواجه الاقتصاد الوطني تحديات كبيرة، خاصة القطاعات التي تعتمد على الاستيراد مثل الأدوية والأجهزة الطبية.
في هذا الصدد، يقول بارسا، وهو بائع في أحد المتاجر، إن أسعار السلع المستوردة قد ارتفعت بنسب تتراوح بين 50% وأكثر من 100% بسبب المخاوف من نقصها وصعوبة استيرادها نتيجة للحصار.
في حديثه، يوضح بارسا أن اللجوء إلى طرق بديلة مثل المعابر البرية لا يضمن استمرار تدفق السلع بنفس الوتيرة أو التكلفة، فحتى في أفضل الأحوال، ستشهد أسعار هذه السلع ارتفاعات غير مسبوقة بسبب ارتفاع رسوم التأمين وأجور الشحن.
الاسواق الشعبية والقدرة الشرائية
على عكس الركود الذي تشهده أسواق الكماليات، بدت الحركة الشرائية في سوق "بدر" الشعبي غربي طهران لافتة، وأوضحت سوسن أن الكثير من السكان يسارعون لشراء ما تبقى من حاجات بأسعار أرهقت ميزانياتهم.
وقبل انتهاء الجولة، توقف المراسل عند متجر الحاج "غوهري"، حيث أوضح أن التذبذب في الأسعار يعكس سياسة مزدوجة للدعم الحكومي، فالسلع المدعومة لم تتأثر أسعارها، بينما تدخلت الحكومة للسيطرة على أسعار السلع الأخرى من خلال تقديم مساعدات مالية للمواطنين.
يشرح التاجر المخضرم قائلا: "ما نراه اليوم هو انعكاس مباشر لسياسة مزدوجة للدعم الحكومي على بعض السلع دون غيرها، والسلع التي تحظى بدعم حكومي كبير لم تتاثر أسعارها، أما السلع الأخرى فقد ارتفعت فعلا، لكن الحكومة تدخلت بسرعة للسيطرة عليها من خلال مشروع (كالا برك) القاضي بتقديم مساعدات مالية لجميع المواطنين الايرانيين لشراء بعض السلع الأساسية".
تحديات المستقبل والحلول المتاحة
وفي خضم هذه التطورات، يرى مدير سابق في وزارة الصناعة والمناجم أن استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى تداعيات خطيرة، معتبرا أن الدعم الحكومي يحمي الفقراء مؤقتا، لكنه يغذي التضخم على المدى الطويل.
اعتبر المسؤول السابق أن استقرار الأسعار الحالي ليس سوى "هدوء يسبق العاصفة"، وعلل ذلك بقوله "لقد فقد العديد من العمال وظائفهم، ودمرت صناعات متنوعة خلال الحرب، وحتى لو توقفت الهجمات تماما فان الحكومة الايرانية ستكون بحاجة إلى بدء عملية إعادة اعمار ضخمة تحتاج إلى أموال طائلة".
ثم انتقل المسؤول السابق الذي رفض نشر هويته، إلى ما اعتبره المأزق الاستراتيجي الأكبر الذي سيواجه الاقتصاد الايراني قريبا، فقال "الحاجة المالية الضخمة ستدفع طهران على الأرجح إلى الابقاء على مضيق هرمز مغلقا أو شبه مغلق، بهدف فرض رسوم عبور على الناقلات للحصول على ايرادات فورية لتمويل اعادة الاعمار".
وبينما تبدو ملامحه متأثرة يمسح دموعه مشيرا إلى شواهد مبكرة على العاصفة القادمة "انظروا حولكم.. أسعار السيارات المحلية ارتفعت للمرة الرابعة خلال بضعة أشهر، وخدمات القطاع الخاص سترتفع أسعارها قريبا حتما.. اعتقد أن الحديث عن السيطرة على الأسعار سابق لأوانه".
وبين الرفوف المليئة بالسلع يبرز سؤال عما إذا كانت نعمة استقرار أسعار السلع المدعومة تحت القصف ستتحول إلى نقمة بعد أن تضع الحرب أوزارها، في حين تتربص مخاطر ارتفاع عام بالأسعار في الأفق إذا لم تشهد الأوضاع الإقليمية والدولية استقرارا حقيقيا.

